دكو
11-03-2008, 02:32 PM
كنت ألتمس العذر دوماً لنفسي .. وأبرر لها كافة الأمور .. ودوماً أقول لها لم تقصدي الأذى و لا كنت تنوين الوقوع في الإثم والمعصية والخطأ .. و وزر كل ما تفعلينه على من أباحه ..
لكن الله خلق ليّ عقل لأفكر به وجعلني مخير ..وليّ حرية إختيار الطريق ونهجه ..
كنت صغيراً .. وكأي فتى نشأ مسلم بالفطرة .. في الحقيقة كنت مسلم لايمت إسلامي للإسلام بصلة سوى المسمى ..!!
أفعل مايحلو ليّ .. ارتكب ما شئت من معاصي وآثام بحجة الشباب وأن الأمر عادي وطبيعي .. وأني لست بشاذ عن شباب جيلي ..!!
تجرعت الكثير من الشهوات .. خصوصاً شهوة النساء .. يا إلهي كم كنت أعشق النساء ..!!
أدمنت على التدخين .. على عدم الإحترام .. وقطع صلة الأرحام ..
ولم أكتفي بذلك فقد جررت معي الكثير والكثير من الشبان والفتيات ..
فقد كان ليّ منطق لكل شيء .. وحجة وإقناع .. وإن استدعى الأمر دعمت موقفي بآيات قرأنية وأحاديث نبوية..!!
كنت بهي الطلعة وحلو اللسان .. لذا كنت مجبوباً لدى كل من يعرفني وخصوصاً النساء ..
عرفت منهنّ جميع الأصناف .. البريئات الطاهرات .. والعاهرات الخبيثات .. ولم تسلم مني الصغيرات القصر ولا حتى المتزوجات ..
أعلم ماتقولونه في أنفسكم أنيّ أحقر مخلوقات الله .. وإنيّ حقاً كنت كذلك ..
كلما تذكرت اقشعر بدني وشعرت بخوفي ودنو أجلي .. وأخشى ذنبي رغم أني تبت عنه وأقلعت وأصررت على عدم العودة ..
كان ليّ حبيبة .. وفي لفظ الآخرين عشيقة .. فهي زوجة دون زواج ..
لا أعلم إن كنت حقاً أحبها أم أني اعتدت أن أكون برفقة إمرأة .. أي امرأة .. المهم أن تروقني .. فأفعل ما بوسعي لأحصل عليها .. وأفعل ..
لم يكن يوقفني شيء .. لا خوف من رب العالمين .. ولا حرمة رجل .. ولا إحترام صديق .. ولا قرابة قريب .. كلهنّ لدي نساء ..
تلك الحبيبة كانت شقيقة أعز صديق وزوجة صديق آخر ..
هل هناك أنذل وأحقر مما فعلت ..؟!
لا أنكر أنها أعجبتني في البداية غير أني لم أقدم على ذلك .. لكنها أرادت .. وكالمعتاد لم أقاوم كما لم أقاوم أنثى من قبل ..
عام كامل وهي معي .. أقابلها .. ونحيا بلذة محرمة .. وبعد دقائق معدودة أكون مع شقيقها وزوجها .. نتبادل الأخبار والضحك ..!!
لم يجل بفكرهما مطلقاً أن أكون بهذه الحقارة والوضاعة ..
ومهما تخيلا لن يصل خيالهما لهذا المستوى من الخيانة ..
هل تتوقع أن يخونك صديق أقرب من الأخ مع أهل بيتك ..؟؟!!.. لا أعتقد .. لكني فعلت ..!!
لم أكن أتوقع أن يعلما بالأمر .. فقد كنت متكتماً ومحتاطاً جداً إبان علاقتي بها ..
إلا أنها لعبة الأقدار .. فقد أبى القدر إلا أن يفضحني .. وايما فضيحة ..!!
لا أعلم كيف ساقهما القدر إليّ في تلك الليلة المشؤومة ..
ولا أعلم كيف علما بالأمر وبمكان وموعد اللقاء ..
ربما كانت صدفة .. وربما كان القدر .. وربما كان هناك من قال ..
لا أعلم .. لكنهما علما بالأمر في النهاية ..
لم يقولا شيئاً .. لكني لم أحتمل نظرتهما ليّ ..
عيناهما كانتا أحد من السيف .. قطعتا كل إنشٍ بيّ ..
هي هربت .. لحقت بها .. ولحقا هما بنا ..
قادا بجنون لكنه لم يكن يضاهي جنون قيادتي ..
كانت تبكي وتندب .. ولم أكن أعي حقاً إحساسي .. في تلك اللحظة .. لم اعد أرى جيداً أم غبت عن الوعي أم ماذا .. لست أدري ..
ولم أعي .. لكني حين فتحت عيني وجدتني في المشفى ..!!
كيف .. ومتى .. ولماذا ..؟!!.. أصابني الذهول وشعرت بالخوف لأول مرة ..
رأيت والدتي وكأنها كبرت خمسون عاماً .. تورمت عيناها من شدة البكاء .. وضاع صوتها وهي تنادي لتعيدني للحياة ..
والطامة الكبرى حين علمت أني الناجي الوحيد الباقي على قيد الحياة .. هزني الأمر بقوة عنيفة .. انقلبت وتغيرت الأمور بداخلي ..
لا أحد يعلم على وجه التحديد ما الذي حدث وما الذي أدى إلى ذلك الحادث وإلى أين كنا نتجه ونحن مسرعين .. لا أحد يعلم عداي ..
لم أقدر على النظر إلى وجهي في المرآة ..
لم أعد قادر على التعايش مع نفسي .. بت أكرهها ..!!
اقلبت مئة وثمانون درجة بلحظة ..
أصبحت شديد التدين بعدما كنت فاسقاً .. وغاليت في الظهور بمظهر المتدين المتزمت .. أطلقت لحيتي وقصرت ثيابي وارتديت البياض ..!!
دائم التواجد في المسجد .. ودائم الحضور للندوات الإسلامية ..
انجرفت كثيراً نحو الدين بلا تعقل .. حتى أني انتميت لخلية من تلك الخلايا التي تتاجر بإسم الدين لمآرب شخصية وبالتأكيد لم أكن أعلم أنها كذلك في تلك اللحظة ..
كنت أرضاً خصبة زرعوا فيها مازرعوا من أفكار وحصدت أفكارهم أعمال ..!!
بإختصار .. أصبحت ممن يطلق عليهم إرهابيون .. ولا يعلموا لم يطلق عليهم ذلك .. ولم يطاردهم القانون .. فهم حماة الدين ..!
كنت مؤمناً أني أفعل الصواب الذي عليّ فعله .. وأن الله سيكافأني على ذلك ..
ذلك اٌيمان جعل القانون يطاردني في كل مكان .. وجعل الناس يتحاشوني وكأن بيّ وباء .. وأنا لا أدرك لم ..؟!
ليس فقط لا أدرك بل وأتعجب من ذلك .. وأسأل نفسي .. عندما كنت فاسقاً كان الناس يتهافتون عليّ ويطلبون ودي .. وعندما أصبحت متديناً يبتعدون عنيّ .. ماهذا الأمر الغريب .. ماذا جرى لبني البشر ..؟!
ماذا كنت أفعل ..؟؟!.. لا أعلم ..
ماذا كنت أحارب ..؟!.. لا اعلم ..
كل ما كنت أعلمه أني على حق .. ويجب أن أوقف من هم على شاكلتي قبل الحادث من الوقوع في شرٍ وقعت فيه قبلهم بأي طريقة كانت .. حتى وإن كانت قوة السلاح ..!!
كنت أرى أنها حرب على الفسق والفجور .. ولكل حربٍ ضحايا .. والأفضل أن يموت الفاسق على أن يحيا بفسقه ويجر معه آخرين في ذاك الفسق ..
تلك كانت الفكرة ..
كنت ألقي باللوم على القادة وولات الأمور .. هم السبب في كل فسق وفجور .. هم الذين قادو الشباب إلى الإنحطاط والعربدة والسرقة معاقرة الخمر والزنا وكافة تلك الأمور ..
لو أنهم طبقوا تعاليم الدين الحنيف كما جاء واتبعوا الكتاب والسنة كما أمروا لتغير الحال .. وماكنا صلنا إلى هذا الحد من الذل والهوان .. وما كان جرى ليّ ما جرى ..!
كنت حاداً جداً في نقاشي حول تلك الأمور .. متعصب .. وأرائي أقل مايقال عنها أنها متطرفة ومغالية ..
دوماً كنت أهاجم الآخرين في أفعالهم وأقوالهم بل حتى في ملبسهم وأكلهم وطريقة عيشهم ..
كنت كثير البكاء .. والخوف .. كنت أخشى على من هم حولي ويهمني أمرهم .. أخشى عليهم النار وعذابها ..
كنت أخشى البقاء وحدي في غرفتي حتى لا أفكر .. فقد كان فكري يقودني دوماً إلى تلك الحادثة .. وإلى حالي قديماً .. وأشعر أن الله لم ولن يغفر ليّ خطاياي يوماً ما ..
أفعل كل ما بوسعي لأنال رضا الرب وأكفر عن خطاياي في حقه وحق نفسي .. وما أفعله كله لأنال رضاه كما قال ليّ شيخي ..
وفي يوم .. كان علينا النيل من شخص فاسق على حد قولهم .. لم أكن أعرفه شخصياً .. لكنهم أخبروني أنهم جربوا معه الحسنى إلا أنه أصر على الفسق واتباع الشيطان .. وكنت أثق بهم ثقة عمياء .. وأثق أنهم لن يكذبوا عليّ ولا على سواي .. فالكذب حرام ..!!
حينما ذهبنا لتصفيته .. عادة نصفي أعداء الدين وهم ذاهبون أو عائدون من أعمالهم .. لكن هنا كان الأمر مختلف ..
لقد كان خارجاً برفقة عائلته وأطفاله القصر بل ومن بينهم رضيع ..
لم أصدق أني قد أفعل ذلك أما الأطفال الأبرياء .. فلا ذنب لهم فيما اقترفت يداه .. وكما قال الحق جلا وعلا (ولا تزر وازرة وزر أخرى).. فما بالك إن كانوا صغار قصر مرفوع عنهم القلم ..
وضعت يدي على كتف القائد أو الأمير كما يحلو للبعض تسميته .. وقلت: ليس أمام الصغار ..
نظر إليّ مبتسماً وقال: بل ومعه الصغار .. فهم بذرة شيطانية فاسدة علينا اقتلاعها قبل أن تكبر وتمتد فروعها ويشتد عودها وتقوى جذورها وتفسد باقي الزرع ..
لم أصدق ما أسمع .. لم يأمرنا الدين بفعل ذلك .. فقلت: كيف ..؟؟.. لم نؤمر بقتل الأطفال والنساء والشيوخ ..
قال: لكل حربٍ ضحايا .. فكر في الأمر .. حين يرى أمثاله ماحل به وبعائلته سيتعظون ولن يقفوا بوجه الدين وسيعودون للدين الحق .. وهو دين الله الذي أراده لكل الأرض ..
هممت بالكلام لكنه قاطعني وعيناه تبرقان بوميض غريب ونظرة قاسية قائلاً: أنت لن تقف في طريق ذلك أليس كذلك ..؟!.. كما وأنك لن تناصر أعداء الدين وتعطف عليهم أليس صحيح ..؟!
كان تهديده واضحاً .. لم أقدر أن أقول شيئاً .. إلا أن هناك شيء بداخلي صرخ ..ليس هكذا الدين .. ولا هذه أوامره ..
وقبل أن يطلقوا النار بدأت بالركض نحو الرجل وأسرته وأنا أصرخ بهم أن ابتعدوا هناك خطر محدق بكم ..
في تلك اللحظة شعرت بنار تخترق ساقي .. وقفت أنظر .. فإذا بنار أخرى تخترق صدري .. تبعتها أخرى وأخرى .. لا أعلم كم عدد الرصاص الذي مزقني .. فقد قرروا تصفيتي فوراً لأني كافر ومرتد .. وابتعدوا مسرعين ..
شعرت بسعادة وأنا أرى الأطفال حولي .. نظرت إلى السماء ورأسي ملقى على الأرض .. والدماء تسيل مني .. رأيت نور هناك يشع .. لقد فعلت الصواب ..
الخيط الرفيع الذي يفصل بين الموت والحياة .. هناك كنت أقف ..
لمست الموت بيدي .. ثم عدت للحياة ..
فتغيرت بداخلي المفاهيم .. وتشوشت الأفكار .. وبت لا أعرف حقيقة الأشياء ..
وكأني أرى الأشياء لأول مرة كطفل يتفقد العالم من حوله ويتعلم معاني الأشياء ..
أتلمس طريقي كأعمى أعاد الله لعينيه الضياء ..
شعرت وكأني أولد من جديد .. وكأن الله يعيدني لأفهم الأشياء كما أراد لا كما كنت أريد وأحيا وأتنفس ..
فهمي للدين والتدين كان غريب جداً ..
تخيلوا .. من قاع الإنحطاط والإنحراف .. إلى قمة التدين والإلتزام ..
لكن ......
كان هناك فجوة لم أقدر يوماً على تخطيها .. لأنها شديدة العمق .. بت أعاني من عدم الإتزان في العديد من تصرفاتي .. والسبب يكمن في تلك الفجوة ..
لنقل أن كل شيء يأتي فجأة وكل قرار تتخذه بسرعة تجني عاقبته على المدى البعيد .. وها أنا ذا أفعل ..!!
هل هناك أسوء من أن تكتشف بعد مضي العمر أنك كنت واهماً وأنك كفأر تجارب في معمل الحياة ..
وكأني لم أكن أنا ذاك ..
كيف أني قضيت عمراً فاسقاً وعمراً آخر زاهداً ..
وبين هذا وذاك ضاعت روحي وتلاشت .. وفجأة عادت للحياة ..
كيف أكون بهذا التناقض الفظيع في حياتي ..
وكيف أني لم أفهم وأنا في قمة التدين معنى الوسطية وانتهاج الوسط ..؟؟!!
كيف أني كنت لا مبالياً .. ثم بت متطرفاً مغالياً ..؟؟!!
لا ألقي باللوم على أحد .. في الحقيقة .. أفعل ..
ألوم والديّ كثيراً .. وأرى أنهما سبب رئيسي لم حدث ليّ ..
لكني أقول في نفسي .. هما لم يقصدا الأذية بأي حال .. وربما كانا هما أيضا ضحية أخرى تضاف لقائمة ضحايا الإتزان .. والخوف من المجهول .. والتخلي عن الثقة بواهب الناس الحياة .. القادر على توزيع الأرزاق كيف يشاء .. الذي يهب النمل الروق حيث كان .. والذي لا ينسى عبداً عصاه فكيف ينسى من ناجاه ..!!
لم يقصرا كثيراً .. فقط نسيا أهم شيء .. نسيا سبب وجودنا في الحياة .. نسيا رباً كريماً وتذكرا آفات الحياة ..
أعلم أني أتحدث بحقد شديد .. ففي القلب غصة مما آل إليه حالي في المرتين ..
كيف أني لم أميز وأعرف أي طريق هو طريق الصواب على الرغم من أن الجميع يشيد ويرى فيّ الذكاء ..
هل كان من الذكاء ما فعلت ..؟!
هل كان من الذكاء كيف أني للحياة قيمت ..؟!
أخبروني على من ألقي باللوم ..
على أئمة المسلمين وفتاويهم الغريبة وخلافهم الشاذ حتى في القضايا التي لاخلاف ولا جدل فيها ..؟؟!!
في عقليتنا وخياراتنا ..؟!
في خوفنا وجهلنا ..؟!
في تربيتنا وأهلنا ..؟!
أم في ماذا ..؟!
لكن الله خلق ليّ عقل لأفكر به وجعلني مخير ..وليّ حرية إختيار الطريق ونهجه ..
كنت صغيراً .. وكأي فتى نشأ مسلم بالفطرة .. في الحقيقة كنت مسلم لايمت إسلامي للإسلام بصلة سوى المسمى ..!!
أفعل مايحلو ليّ .. ارتكب ما شئت من معاصي وآثام بحجة الشباب وأن الأمر عادي وطبيعي .. وأني لست بشاذ عن شباب جيلي ..!!
تجرعت الكثير من الشهوات .. خصوصاً شهوة النساء .. يا إلهي كم كنت أعشق النساء ..!!
أدمنت على التدخين .. على عدم الإحترام .. وقطع صلة الأرحام ..
ولم أكتفي بذلك فقد جررت معي الكثير والكثير من الشبان والفتيات ..
فقد كان ليّ منطق لكل شيء .. وحجة وإقناع .. وإن استدعى الأمر دعمت موقفي بآيات قرأنية وأحاديث نبوية..!!
كنت بهي الطلعة وحلو اللسان .. لذا كنت مجبوباً لدى كل من يعرفني وخصوصاً النساء ..
عرفت منهنّ جميع الأصناف .. البريئات الطاهرات .. والعاهرات الخبيثات .. ولم تسلم مني الصغيرات القصر ولا حتى المتزوجات ..
أعلم ماتقولونه في أنفسكم أنيّ أحقر مخلوقات الله .. وإنيّ حقاً كنت كذلك ..
كلما تذكرت اقشعر بدني وشعرت بخوفي ودنو أجلي .. وأخشى ذنبي رغم أني تبت عنه وأقلعت وأصررت على عدم العودة ..
كان ليّ حبيبة .. وفي لفظ الآخرين عشيقة .. فهي زوجة دون زواج ..
لا أعلم إن كنت حقاً أحبها أم أني اعتدت أن أكون برفقة إمرأة .. أي امرأة .. المهم أن تروقني .. فأفعل ما بوسعي لأحصل عليها .. وأفعل ..
لم يكن يوقفني شيء .. لا خوف من رب العالمين .. ولا حرمة رجل .. ولا إحترام صديق .. ولا قرابة قريب .. كلهنّ لدي نساء ..
تلك الحبيبة كانت شقيقة أعز صديق وزوجة صديق آخر ..
هل هناك أنذل وأحقر مما فعلت ..؟!
لا أنكر أنها أعجبتني في البداية غير أني لم أقدم على ذلك .. لكنها أرادت .. وكالمعتاد لم أقاوم كما لم أقاوم أنثى من قبل ..
عام كامل وهي معي .. أقابلها .. ونحيا بلذة محرمة .. وبعد دقائق معدودة أكون مع شقيقها وزوجها .. نتبادل الأخبار والضحك ..!!
لم يجل بفكرهما مطلقاً أن أكون بهذه الحقارة والوضاعة ..
ومهما تخيلا لن يصل خيالهما لهذا المستوى من الخيانة ..
هل تتوقع أن يخونك صديق أقرب من الأخ مع أهل بيتك ..؟؟!!.. لا أعتقد .. لكني فعلت ..!!
لم أكن أتوقع أن يعلما بالأمر .. فقد كنت متكتماً ومحتاطاً جداً إبان علاقتي بها ..
إلا أنها لعبة الأقدار .. فقد أبى القدر إلا أن يفضحني .. وايما فضيحة ..!!
لا أعلم كيف ساقهما القدر إليّ في تلك الليلة المشؤومة ..
ولا أعلم كيف علما بالأمر وبمكان وموعد اللقاء ..
ربما كانت صدفة .. وربما كان القدر .. وربما كان هناك من قال ..
لا أعلم .. لكنهما علما بالأمر في النهاية ..
لم يقولا شيئاً .. لكني لم أحتمل نظرتهما ليّ ..
عيناهما كانتا أحد من السيف .. قطعتا كل إنشٍ بيّ ..
هي هربت .. لحقت بها .. ولحقا هما بنا ..
قادا بجنون لكنه لم يكن يضاهي جنون قيادتي ..
كانت تبكي وتندب .. ولم أكن أعي حقاً إحساسي .. في تلك اللحظة .. لم اعد أرى جيداً أم غبت عن الوعي أم ماذا .. لست أدري ..
ولم أعي .. لكني حين فتحت عيني وجدتني في المشفى ..!!
كيف .. ومتى .. ولماذا ..؟!!.. أصابني الذهول وشعرت بالخوف لأول مرة ..
رأيت والدتي وكأنها كبرت خمسون عاماً .. تورمت عيناها من شدة البكاء .. وضاع صوتها وهي تنادي لتعيدني للحياة ..
والطامة الكبرى حين علمت أني الناجي الوحيد الباقي على قيد الحياة .. هزني الأمر بقوة عنيفة .. انقلبت وتغيرت الأمور بداخلي ..
لا أحد يعلم على وجه التحديد ما الذي حدث وما الذي أدى إلى ذلك الحادث وإلى أين كنا نتجه ونحن مسرعين .. لا أحد يعلم عداي ..
لم أقدر على النظر إلى وجهي في المرآة ..
لم أعد قادر على التعايش مع نفسي .. بت أكرهها ..!!
اقلبت مئة وثمانون درجة بلحظة ..
أصبحت شديد التدين بعدما كنت فاسقاً .. وغاليت في الظهور بمظهر المتدين المتزمت .. أطلقت لحيتي وقصرت ثيابي وارتديت البياض ..!!
دائم التواجد في المسجد .. ودائم الحضور للندوات الإسلامية ..
انجرفت كثيراً نحو الدين بلا تعقل .. حتى أني انتميت لخلية من تلك الخلايا التي تتاجر بإسم الدين لمآرب شخصية وبالتأكيد لم أكن أعلم أنها كذلك في تلك اللحظة ..
كنت أرضاً خصبة زرعوا فيها مازرعوا من أفكار وحصدت أفكارهم أعمال ..!!
بإختصار .. أصبحت ممن يطلق عليهم إرهابيون .. ولا يعلموا لم يطلق عليهم ذلك .. ولم يطاردهم القانون .. فهم حماة الدين ..!
كنت مؤمناً أني أفعل الصواب الذي عليّ فعله .. وأن الله سيكافأني على ذلك ..
ذلك اٌيمان جعل القانون يطاردني في كل مكان .. وجعل الناس يتحاشوني وكأن بيّ وباء .. وأنا لا أدرك لم ..؟!
ليس فقط لا أدرك بل وأتعجب من ذلك .. وأسأل نفسي .. عندما كنت فاسقاً كان الناس يتهافتون عليّ ويطلبون ودي .. وعندما أصبحت متديناً يبتعدون عنيّ .. ماهذا الأمر الغريب .. ماذا جرى لبني البشر ..؟!
ماذا كنت أفعل ..؟؟!.. لا أعلم ..
ماذا كنت أحارب ..؟!.. لا اعلم ..
كل ما كنت أعلمه أني على حق .. ويجب أن أوقف من هم على شاكلتي قبل الحادث من الوقوع في شرٍ وقعت فيه قبلهم بأي طريقة كانت .. حتى وإن كانت قوة السلاح ..!!
كنت أرى أنها حرب على الفسق والفجور .. ولكل حربٍ ضحايا .. والأفضل أن يموت الفاسق على أن يحيا بفسقه ويجر معه آخرين في ذاك الفسق ..
تلك كانت الفكرة ..
كنت ألقي باللوم على القادة وولات الأمور .. هم السبب في كل فسق وفجور .. هم الذين قادو الشباب إلى الإنحطاط والعربدة والسرقة معاقرة الخمر والزنا وكافة تلك الأمور ..
لو أنهم طبقوا تعاليم الدين الحنيف كما جاء واتبعوا الكتاب والسنة كما أمروا لتغير الحال .. وماكنا صلنا إلى هذا الحد من الذل والهوان .. وما كان جرى ليّ ما جرى ..!
كنت حاداً جداً في نقاشي حول تلك الأمور .. متعصب .. وأرائي أقل مايقال عنها أنها متطرفة ومغالية ..
دوماً كنت أهاجم الآخرين في أفعالهم وأقوالهم بل حتى في ملبسهم وأكلهم وطريقة عيشهم ..
كنت كثير البكاء .. والخوف .. كنت أخشى على من هم حولي ويهمني أمرهم .. أخشى عليهم النار وعذابها ..
كنت أخشى البقاء وحدي في غرفتي حتى لا أفكر .. فقد كان فكري يقودني دوماً إلى تلك الحادثة .. وإلى حالي قديماً .. وأشعر أن الله لم ولن يغفر ليّ خطاياي يوماً ما ..
أفعل كل ما بوسعي لأنال رضا الرب وأكفر عن خطاياي في حقه وحق نفسي .. وما أفعله كله لأنال رضاه كما قال ليّ شيخي ..
وفي يوم .. كان علينا النيل من شخص فاسق على حد قولهم .. لم أكن أعرفه شخصياً .. لكنهم أخبروني أنهم جربوا معه الحسنى إلا أنه أصر على الفسق واتباع الشيطان .. وكنت أثق بهم ثقة عمياء .. وأثق أنهم لن يكذبوا عليّ ولا على سواي .. فالكذب حرام ..!!
حينما ذهبنا لتصفيته .. عادة نصفي أعداء الدين وهم ذاهبون أو عائدون من أعمالهم .. لكن هنا كان الأمر مختلف ..
لقد كان خارجاً برفقة عائلته وأطفاله القصر بل ومن بينهم رضيع ..
لم أصدق أني قد أفعل ذلك أما الأطفال الأبرياء .. فلا ذنب لهم فيما اقترفت يداه .. وكما قال الحق جلا وعلا (ولا تزر وازرة وزر أخرى).. فما بالك إن كانوا صغار قصر مرفوع عنهم القلم ..
وضعت يدي على كتف القائد أو الأمير كما يحلو للبعض تسميته .. وقلت: ليس أمام الصغار ..
نظر إليّ مبتسماً وقال: بل ومعه الصغار .. فهم بذرة شيطانية فاسدة علينا اقتلاعها قبل أن تكبر وتمتد فروعها ويشتد عودها وتقوى جذورها وتفسد باقي الزرع ..
لم أصدق ما أسمع .. لم يأمرنا الدين بفعل ذلك .. فقلت: كيف ..؟؟.. لم نؤمر بقتل الأطفال والنساء والشيوخ ..
قال: لكل حربٍ ضحايا .. فكر في الأمر .. حين يرى أمثاله ماحل به وبعائلته سيتعظون ولن يقفوا بوجه الدين وسيعودون للدين الحق .. وهو دين الله الذي أراده لكل الأرض ..
هممت بالكلام لكنه قاطعني وعيناه تبرقان بوميض غريب ونظرة قاسية قائلاً: أنت لن تقف في طريق ذلك أليس كذلك ..؟!.. كما وأنك لن تناصر أعداء الدين وتعطف عليهم أليس صحيح ..؟!
كان تهديده واضحاً .. لم أقدر أن أقول شيئاً .. إلا أن هناك شيء بداخلي صرخ ..ليس هكذا الدين .. ولا هذه أوامره ..
وقبل أن يطلقوا النار بدأت بالركض نحو الرجل وأسرته وأنا أصرخ بهم أن ابتعدوا هناك خطر محدق بكم ..
في تلك اللحظة شعرت بنار تخترق ساقي .. وقفت أنظر .. فإذا بنار أخرى تخترق صدري .. تبعتها أخرى وأخرى .. لا أعلم كم عدد الرصاص الذي مزقني .. فقد قرروا تصفيتي فوراً لأني كافر ومرتد .. وابتعدوا مسرعين ..
شعرت بسعادة وأنا أرى الأطفال حولي .. نظرت إلى السماء ورأسي ملقى على الأرض .. والدماء تسيل مني .. رأيت نور هناك يشع .. لقد فعلت الصواب ..
الخيط الرفيع الذي يفصل بين الموت والحياة .. هناك كنت أقف ..
لمست الموت بيدي .. ثم عدت للحياة ..
فتغيرت بداخلي المفاهيم .. وتشوشت الأفكار .. وبت لا أعرف حقيقة الأشياء ..
وكأني أرى الأشياء لأول مرة كطفل يتفقد العالم من حوله ويتعلم معاني الأشياء ..
أتلمس طريقي كأعمى أعاد الله لعينيه الضياء ..
شعرت وكأني أولد من جديد .. وكأن الله يعيدني لأفهم الأشياء كما أراد لا كما كنت أريد وأحيا وأتنفس ..
فهمي للدين والتدين كان غريب جداً ..
تخيلوا .. من قاع الإنحطاط والإنحراف .. إلى قمة التدين والإلتزام ..
لكن ......
كان هناك فجوة لم أقدر يوماً على تخطيها .. لأنها شديدة العمق .. بت أعاني من عدم الإتزان في العديد من تصرفاتي .. والسبب يكمن في تلك الفجوة ..
لنقل أن كل شيء يأتي فجأة وكل قرار تتخذه بسرعة تجني عاقبته على المدى البعيد .. وها أنا ذا أفعل ..!!
هل هناك أسوء من أن تكتشف بعد مضي العمر أنك كنت واهماً وأنك كفأر تجارب في معمل الحياة ..
وكأني لم أكن أنا ذاك ..
كيف أني قضيت عمراً فاسقاً وعمراً آخر زاهداً ..
وبين هذا وذاك ضاعت روحي وتلاشت .. وفجأة عادت للحياة ..
كيف أكون بهذا التناقض الفظيع في حياتي ..
وكيف أني لم أفهم وأنا في قمة التدين معنى الوسطية وانتهاج الوسط ..؟؟!!
كيف أني كنت لا مبالياً .. ثم بت متطرفاً مغالياً ..؟؟!!
لا ألقي باللوم على أحد .. في الحقيقة .. أفعل ..
ألوم والديّ كثيراً .. وأرى أنهما سبب رئيسي لم حدث ليّ ..
لكني أقول في نفسي .. هما لم يقصدا الأذية بأي حال .. وربما كانا هما أيضا ضحية أخرى تضاف لقائمة ضحايا الإتزان .. والخوف من المجهول .. والتخلي عن الثقة بواهب الناس الحياة .. القادر على توزيع الأرزاق كيف يشاء .. الذي يهب النمل الروق حيث كان .. والذي لا ينسى عبداً عصاه فكيف ينسى من ناجاه ..!!
لم يقصرا كثيراً .. فقط نسيا أهم شيء .. نسيا سبب وجودنا في الحياة .. نسيا رباً كريماً وتذكرا آفات الحياة ..
أعلم أني أتحدث بحقد شديد .. ففي القلب غصة مما آل إليه حالي في المرتين ..
كيف أني لم أميز وأعرف أي طريق هو طريق الصواب على الرغم من أن الجميع يشيد ويرى فيّ الذكاء ..
هل كان من الذكاء ما فعلت ..؟!
هل كان من الذكاء كيف أني للحياة قيمت ..؟!
أخبروني على من ألقي باللوم ..
على أئمة المسلمين وفتاويهم الغريبة وخلافهم الشاذ حتى في القضايا التي لاخلاف ولا جدل فيها ..؟؟!!
في عقليتنا وخياراتنا ..؟!
في خوفنا وجهلنا ..؟!
في تربيتنا وأهلنا ..؟!
أم في ماذا ..؟!